ابراهيم بن عمر البقاعي
182
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما تبين من سؤالهم أنه لم يكن للاسترشاد وإن هم بالغوا به في التكذيب والاستهزاء بعد الإبلاغ في إقامة الأدلة ، أمره بأن يجيبهم بما يصلح للمعاند من صادع التهديد بقوله : قُلْ لَكُمْ أي أيها الجامدون الأجلاف الذين لا يجوزون الممكنات ، ولا يتدبرون ما أوضحها من الدلالات ، مع ضعفهم عن الدفاع ، والمغالبة والامتناع مِيعادُ يَوْمٍ أي لا تحتمل العقول وصف عظمه لما يأتي فيه من العقاب سواء كان يوم الموت أو البعث . ولما كان تعلق النفوس بالمهلة عظيما ، قال : لا تَسْتَأْخِرُونَ أي لا يوجد تأخركم ولا يمكن أن يطلب لحثيث الطلب وتعذر الهرب عند ساعَةً لأن الآتي به عظيم القدرة محيط العلم ، ولذلك قال : وَلا تَسْتَقْدِمُونَ أي لا يوجد تقدمكم لحظة فما دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك . ولما دل سبحانه بملازمتهم للاستهزاء بهذا الإنذار على أنهم غير منفكين عن مذاهب الكفار ، ذكر تصريحهم بذلك وحالهم في بعض الأوقات المنطبقة عليها الآية السالفة في قوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا حيث عبر بالموصول وصلته في موضع الضمير ، واكتفى بالماضي هنا لصراحته في المقصود وكفايته في الحكم بالكفر ، فقالوا مؤكدين قطعا للأطماع عن دعائهم : لَنْ نُؤْمِنَ أي نصدق أبدا ، وصرحوا بالمنزل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم بالإشارة فقالوا : بِهذَا الْقُرْآنِ أي وإن جمع جميع الحكم والمقاصد المضمنة لبقية الكتب وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي قبله من الكتب : التوراة والإنجيل وغيرهما . بل نحن قانعون بما أدبنا به آباؤنا ، وذلك أن بعض أهل الكتاب أخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم في كتبهم ، فأغضبهم ذلك فقالوه : وَلَوْ أي والحال أنك تَرى أي يوجد منك رؤية لحالهم إِذِ هم - هكذا كان الأصل ، ولكن أظهر الوصف تعميما وتعليقا للحكم به فقال : الظَّالِمُونَ أي الذين يضعون الأشياء في غير محالها فيصدقون آباءهم لإحسان يسير مكدر بغير دليل ، ولا يصدقون ربهم الذي لا نعمة عندهم ولا عند آبائهم إلا منه ، وقد أقام لهم أدلة العقل بما ضرب لهم من الأمثال في الآفاق وفي أنفسهم ، والنقل بهذا القرآن المدلول على صدقه بعد إظهار المعجزات المحسوسات بعجزهم عنه ، فكأنهم سمعوه من اللّه المنعم الحق مَوْقُوفُونَ أي بعد البعث بما يوقفهم من قدرته بأيدي جنوده أو بغيرها بأيسر أمر منه سبحانه قهرا لهم وكرها منهم : عِنْدَ رَبِّهِمْ